التخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي به


بيان القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي به من الكلام
اعلم أن كل ظلم صدر من شخص فلا يجوز مقابلته بمثله فلا تجوز مقابلة الغيبة بالغيبة ولا مقابلة التجسس بالتجسس ولا السب بالسب وكذلك سائر المعاصي وإنما القصاص والغرامة على قدر ما ورد الشرع به وقد فصلناه في الفقه وأما السب فلا يقال بمثله إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن امرؤ عيرك بما فيك فلا تعيره بما فيه 
وقال المستبان ما قالا فهو على الباديء ما لم يعتد المظلوم وقال المستبان شيطانان يتهاتران وشتم رجل أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو ساكت فلما ابتدأ ينتصر منه قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر إنك كنت ساكتا لما شتمني فلما تكلمت قمت قال لأن الملك كان يجيب عنك فلما تكلمت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أكن لأجلس في مجلس فيه الشيطان
 وقال قوم تجوز المقابلة بما لا كذب فيه وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقابلة التعيير بمثله نهي تنزيه والأفضل تركه ولكنه لا يعصي به والذي يرخص فيه أن تقول من أنت وهل أنت إلا من بني فلان كما قال سعد لابن مسعود وهل أنت إلا من بني هذيل وقال ابن مسعود وهل أنت إلا من بني أمية ومثل قوله يا أحمق قال مطرف كل الناس أحمق فيما بينه وبين ربه إلا أن بعض الناس أقل حماقة من بعض
وقال ابن عمر من حديث طويل حتى ترى الناس كلهم حمقى في ذات الله تعالى  وكذلك قوله يا جاهل إذ ما من أحد إلا وفيه جهل فقد آذاه بما ليس بكذب وكذلك قوله يا سيء الخلق يا صفيق الوجه يا ثلايا للإعراض وكان ذلك فيه وكذلك قوله لو كان فيك حياء لما تكلمت وما أحقرك في عيني بما فعلت وأخزاك الله وانتقم منك فأما النميمة والغيبة والكذب وسب الوالدين فحرام بالاتفاق لما روي أنه كان بين خالد بن الوليد وسعد كلام فذكر رجل خالدا عند سعد فقال سعد مه إن ما بيننا لم يبلغ ديننا يعني أن يأثم بعضنا في بعض فلم يسمع السوء فكيف يجوز له أن يقوله
والدليل على جواز ما ليس بكذب ولا حرام كالنسبة إلى الزنا والفحش والسب ما روت عائشة رضي الله عنها أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلن إليه فاطمة فجاءت فقالت يا رسول الله أرسلني إليك أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة والنبي صلى الله عليه وسلم نائم فقال يا بنية أتحبين ما أحب قالت نعم قال فأحبي هذه فرجعت إليهن فأخبرتهن بذلك فقلن ما أغنيت عنا شيئا فأرسلن زينب بنت جحش قالت وهي التي كانت تساميني في الحب فجاءت فقالت بنت أبي بكر وبنت أبي بكر فما زالت تذكرني وأنا ساكتة أنتظر أن يأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجواب فأذن لي فسببتها حتى جف لساني فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلا إنها ابنة أبي بكر  يعني أنك لا تقاومينها في الكلام قط وقولها سببتها وليس المراد به الفحش بل هو والجواب عن كلامها بالحق ومقابلتها بالصدق
 وقال النبي صلى الله عليه وسلم المستبان ما قالا فعلى الباديء منهما حتى يعتدي المظلوم  وقد تقدم فأثبت المظلوم انتصار إلى أن يعتدي فهذا القدر هو الذي أباحه هؤلاء وهو رخصة في الإيذاء جزاء على إيذائه السابق ولا تبعد الرخصة في هذا القدر ولكن الأفضل تركه فإنه يجره إلى ما وراءه ولا يمكنه الاقتصار على قدر الحق فيه والسكوت عن أصل الجواب لعله أيسر من الشروع في الجواب والوقوف على حد الشرع فيه
 ولكن من الناس من لا يقدر على ضبط نفسه في فورة الغضب ولكن يعود سريعا ومنهم من يكف نفسه في الابتداء ولكن يحقد على الدوام والناس في الغضب أربعة فبعضهم كالحلفاء سريع الوقود سريع الخمود وبعضهم كالغضا بطيء الوقود بطيء الخمود وبعضهم بطئ الوقود سريع الخمود وهو الأحمد ما لم ينته إلى فتور الحمية والغيرة وبعضهم سريع الوقود بطيء الخمود وهذا هو شرهم
 وفي الخبر المؤمن سريع الغضب سريع الرضى فهذه بتلك  وقال الشافعي رحمه الله من استغضب فلم يغضب فهو حمار ومن استرضى فلم يرض فهو شيطان وقد قال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم بطيء الغضب سريع الفيء ومنهم سريع الغضب سريع الفيء فتلك بتلك ومنهم سريع الغضب بطيء الفيء ألا وإن خيرهم البطيء الغضب السريع الفيء وشرهم السريع الغضب البطيء الفيء
 ولما كان الغضب يهيج ويؤثر في كل إنسان وجب على السلطان أن لا يعاقب أحدا في حال غضبه لأنه ربما يتعدى الواجب ولأنه ربما يكون متغيظا عليه فيكون متشفيا لغبظه ومريحا نفسه من ألم الغيظ فيكون صاحبه حظ نفسه فينبغي أن يكون انتقامه وانتصاره لله تعالى لا لنفسه ورأى عمر رضي الله عنه سكران فأراد أن يأخذه ويعزره فشتمه السكران فرجع عمر فقيل له يا أمير المؤمنين لما شتمك تركته قال لأنه أغضبني ولو عزرته لكان ذلك لغضبي لنفسي ولم أحب أن أضرب مسلما حمية لنفسي وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لرجل أغضبه لولا أنك أغضبتني لعاقبتك 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
>حديث إن امرؤ عيرك بما فيك فلا تعيره بما فيه أخرجه أحمد من حديث جابر بن مسلم وقد تقدم 
>حديث شتم رجل أبا بكر رضي الله عنه وهو ساكت فلما ابتدأ ينتصر منه قام صلى الله عليه وسلم الحديث أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة متصلا ومرسلا قال البخاري المرسل أصح
>حديث عائشة إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلن فاطمة فقالت يا رسول الله أرسلني أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة الحديث رواه مسلم
>حديث المستبان ما قالا فعلى البادي الحديث رواه مسلم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

علم المكاشفة

فإن قلت فصل لي علم طريق الآخرة تفصيلا يشير إلى تراجمه وإن لم يمكن استقصاء تفاصيله: فاعلم أنه قسمان علم مكاشفة وعلم معاملة: فالقسم الأول علم المكاشفة وهو علم الباطن وذلك غاية العلوم فقد قال بعض العارفين من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة وأدنى نصيب منه التصديق به

بيان فضيلة الجوع وذم الشبع

             قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وأنه ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش حديث جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش ثم أجد له أصلا وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه حديث ابن عباس لا يدخل ملكوت السموات من ملأ بطنه لم أجده أيضا وقيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال من قل مطعمه وضحكه ورضي مما يستر به عورته حديث أي الناس أفضل قال من قل طعمه وضحكه ورضي بما يستر عورته يأتي الكلام عليه وعلى ما بعده من الأحاديث وقال النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأعمال الجوع وذل النفس لباس الصوف حديث سيد الأعمال الجوع وذل النفس لباس الصوف وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله 

كتاب الصلاة

ا وهو الكتاب الرابع من ربع العبادات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي غمر العباد بلطائفه وعمر قلوبهم بأنوار الدين ووظائفه التي تنزل عن عرش الجلال إلى السماء الدنيا من درجات الرحمة إحدى عواطفه فارق الملوك مع التفرد بالجلال والكبرياء بترغيب الخلق في السؤال والدعاء فقال هل من داع فأستجيب له وهل من مستغفر فأغفر له وباين السلاطين بفتح الباب ورفع الحجاب فرخص للعباد في المناجاة بالصلوات كيفما تقلبت بهم الحالات في الجماعات والخلوات ولم يقتصر على الرخصة بل تلطف بالترغيب والدعوة، وغيره من ضعفاء الملوك لا يسمح بالخلوة إلا بعد تقديم الهدية والرشوة فسبحانه ما أعظم شأنه وأقوى سلطانه وأتم لطفه وأعم إحسانه والصلاة على محمد نبيه المصطفى ووليه المجتبى وعلى آله وأصحابه مفاتيح الهدى ومصابيح الدجى وسلم تسليما. أما بعد فإن الصلاة عماد الدين وعصام اليقين ورأس القربات وغرة الطاعات وقد استقصينا في فن الفقه في بسيط المذهب ووسيطه ووجيزه أصولها وفروعها صارفين جمام العناية إلى تفاريعها النادرة ووقائعها الشاذة لتكون خزانة للمفتي منها يستمد ومعولا له إليها يفزع ويرجع ونحن الآن في هذا الكتاب نقتصر على ما لا ...