شدا طرفاً فيصباه، بطوس، من الفقه، على الإمام أحمد الراذكاني.
ثم قدم نيسابورمختلفاً إلى درس إمام الحرمين، في طائفة من الشبان من طوس.
وجد، واجتهد، حتىتخرج عن مدة قريبة، وبذ الأقران، وحمل القرآن، وصار أنظر أهل زمانه، وواحد أقرانه،في أيام إمام الحرمين.
وكان الطلبةيستفدون منه، ويدرس لهم، ويرشدهم، ويجتهد فس نفسه. وبلغ الأمر به إلى أن أخذ فيالتصنيف.
وكان الإمام مععلو درجته، وسمو عبارته، وسرعة جريه في النطق والكلام، لا يصفى نظره إلى الغزاليسرا؛ لإنافته عليه فى سرعة العبارة، وقوة الطبع، ولايطيب له تصدية للتصانيف، وإنكان متخرجا به، منتسبا إليه، كما لا يخفى من طبع البشر، ولكنه يظر التبجح به،والاعتداد بمكانه، ظاهرا خلاف ما يضمره.
ثم بقى كذلك إلىانقضاء أيام الإمام، فخرج من نيسابور، وصار إلى المعسكر، واحتل من مجلس نظام الملكمحل القبول، وأقبل عليه الصاحب لعلو درجته، وظهور اسمه، وحسن منظارته وجرى عبارته.
وكانت تلك الحضرة محطرحال العلماء، ومقصد الأئمة والفصحاء، فوقعت للغزالي اتفقات حسنة من الاحتكاكبالأئمة، وملاقاة الخصوم اللد، ومنظارة الفحول، ومنافرة الكبار.
وظهر اسمه فيالآفاق، وارتفق بذلك أكمل الارتفاق، حتى أدت الحال به إلى أن رسم للمصير إلىبغداد، للقيام بتدريس المدرسة الميونة النظامية بها، فصار إليها، وأعجب الكلبتدريسه، ومناظرته، وما لقى مثل نفسه، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق.
ثم نظر في علمالإصول، وكان قد أحكمها، فصنف فيه تصانيف. وجدد المذهب في الفقه، فصنف فيه تصانيف.وسبك الخلاف، فحرر فيه أيضاً تصانيف.
وعلت حشمته ودرجتهفى بغداد، حتى كانت تغلب حشمة الأكابر والإمراء، ودار الخلافة.
فانقلب الإمر منوجه آخر، وظهر عليه بعد مطالعة العلوم الدقيقة، وممارسة الكتب المصنفة فيها، وسلكطريق التزهد والتأله، وترك الحشمة، وطرح ما نال من الدرجة، والاشتغال بأسبابالتقوى، وزاد الآخرة. فخرج عما كان فيه، وقصد بيت الله وحج.
ثم دخل الشاموأقام فى تلك الديار قريباً من عشر سنين يطوف، ويزور المشاهد المعظمة.
وأخذ فى التصانيفالمشهورة، التي لم يسبق إليها، مثل: ((إحياء علوم الدين)) والكتب المختصرة منها،مثل ((الأربعين)) وغيرها من الرسائل، التى من تأملها علم محل الرجل من فنون العلم.
وأخذ فى مجاهدةالنفس، وتغيير الأخلاق، وتحسين الشمائل، وتهذيب المعاش، فانقلب شيطان الرعنوة،وطلب الرياسة والجاه، والتخلق بالإخلاق الذميمة، إلى سكون النفس، وكرم الأخلاق،والفراغ عن الرسوم والترتيبات، والتزيى بزى الصالحين، وقصر الأمل، ووقف الأوقافعلى هداية الخلق، ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة، وتبغيض الدنيا، والاشتغالبها على السالكين، والاستعداد للرحيل إلى الدار الباقية، والانقياد لكل من يتوسمفيه أو يشم منه رائحة المعرفة، أو التيقظ لشىء من أنوار المشاهدة، حتى مرن علىذلك، ولن.
ثم عاد إلى وطنهلازماً بيته، مشتغلا بالتفكر، ملازماً للوقت، مقصودا، نفيساً وذخرا للقلوب، ولكلمن يقصده، ويدخل عليه.
إلى أن أتى علىذلك مدة، وظهرت التصانيف وفشت الكتب، ولم تبد فى أيامه مناقضة، لما كان فيه، ولااعتراض لأحد على ما آثره، حتى انتهت نوبة الوزارة إلى الأجل، فخر الملك، جمالالشهداء، تغمده الله برحمته، وتزينت خراسان بحشمته، ودولته، وقد سمع وتحقق بمكانالغزالى ، ودرجته، وكمال فضله، وحالته، وصفاء عقيدته، ونقاء سيرته، فتبرك به،وحضره، وسمع كلامه، فاستدعى منه أن لا يبقى أنفاسه، وفوائده عقيمة لااستفادة منها، ولا اقتباس من أنوارها، وألح عليه مكل الإلحاح، وتشدد فى الاقتراح،إلى أن أجاب إلى الخروج، وحمل إلى نيسابور.
وكان الليث غائباًعن عرينه، والأمر خافياً، فى مستور قضاء الله ومكنونه، فأشير عليه بالتدريس فىالمدرسة الميمونة النظامية، عمرها الله، فلم يجد بداً من الإذعان للولاة، ونوىبإظهار ما اشتغل به هداية الشداة، وإفادة القاصدين، دون الرجوع إلى ما انخلع عنه،وتحرر عن رقة من طلب الجاه، ومماراة الأقران، ومكابرة المعاندين، وكم قرع عصاهبالخلاف، والوقوع فيه، والطعن فيما يذره ويأتيه. والسعاية به، والتشنيع عليه، فماتأثر به، ولا اشتغل بجواب الطاعين، ولا أظهر استيحاشاً بغميزة الخلطين.
ولقد زرته مراراً،وما كنت أحدس فى نفسى مع ما عهدته فى سالف الزمان عليه، من الزعارة، وإيحاش الناس،والنظر إليهم بعين الازدراء، والاستخفاف بهم كبراً، وخيلاء، واغترارا، بما رزق منالبشطة في النطق، والخاطر، والعبارة وطلب الجاه، والعلو فى المنزلة أنه صار علىالضد، وتصفى عن تلك الكدورات.
وكنت أظن أنهمتلفع بجلباب التكلف، متنمس بما صار إليه، فتحققت بعد السبر والتنقير، أن الإمرعلى خلاف المظنون، وأن الرجل أفاق بعد الجنون.
وحكى لنا فى ليال،كيفية أحواله من ابتداء ما ظهر له سلوك طريق التأله.
وغلبت الحال عليهبعد تبحرة فى العلوم، واستطالته على الكل بكلامه، والاستعداد الذى خصه الله به، فيتحصيل أنواع العلوم، واستطالته على الكل بكلامه، والاستعداد الذى خصه الله به، فىتحصيل أنواع العلوم، وتمكنه من البحث والنظر، حتى تبرم من الاشتغال بالعلومالعرية، عن المعاملة.
وتفكر فى العاقبة،وما يجدى وما ينفع فى الآخرة، فابتدأ بصحبة الفارمذى، وأخذ منه استفتاح الطريقة،وامتثل ما كان يشير به عليه، من القيام بوظائف العبادات، والإمعات فى النوافل، واستدامةالأذكار، والجد، والاجتهاد، طلباً للنجاة، إلى أن جاز تلك العقبات، وتكلف تلكالمشقاق، وما تحصل على ما كان يطلبهمن مقصوده.
ثم حكى أنه راجعالعلوم، وخاض فى الفنون، وعاود الجد والاجتهاد، فى كتب العلوم الدقيقة، والتقىبأربابها، حتى انفتح له أبوابها، وبقى مدة فى الوقائع، وتكافؤ الأدلة، وأطرافالمسائل.
ثم حكى أنه فتحعليه باب من الخوف، بحيث شغله عن كل شىء، وحمله على الإعراض عما سواه، حتى سهل ذلك.
وهكذا، هكذا، إلىأن ارتاض كل الرياضة، وظهرت له الحقائق، وصار ما كنا نظن به ناموساً، وتخلقاً،طبعاً وتحققا، وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له من الله تعالى.
ثم سألناه عتكيفية رغبته فى الخروج من بيته، والرجوع إلى ما دعى إليه من أمر نيسابور؟ فقالمعتذرا عنه: ما كنت أجوز فى دينى أن أقف عن الدعوة، ومنفعة الطالبين بالإفادة، وقدحق على أن أبوح بالحق وأنطق به، وأدعو إليه. وكان صادقاً فى ذلك.
ثم ترك ذلك قبل أنيترك، وعاد إلى بيته، واتخذ فى جواره مدرسة لطلبة العلم، وخانقة للصوفية.
وكان قد وزعأوقاته، على وظائف الحاضرين، من ختم القرآن، ومجالسة أهل القلوب، والقعود للتدريس،بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته، ولحظات من معه عن فائدة؛ إلى أن أصابه عين الزمان،وضنت الإيام به على أهل عصره، فنقله الله إلى كر يم جواره، بعد مقاساة أنواع منالقصد، والمناوأة من الخصوم، والسعى به إلى الملوك، وكفاية الله به، وحفظه وصيانتهعن أن تنوشه أيدى النكبات، أو ينهتك ستر دينه بشىء من الزلات.
وكانت خاتمة أمرهإقباله على حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين ((البخارى)) و ((مسلم))اللذين هما حجة الإسلام، ولو عاش لسبق الكل فى ذلك الفن، بيسير منالأيام، يستفرغه فى تحصيله.
ولا شك أنه سمعالأحاديث فى الأيام الماضية، واشتغل فى آخر عمره بسماعها، ولم تتفق له الرواية،ولا ضرر فيما خلفه من الكتب المصنفة فى الأصول، والفروع، وسائر الأنواع تخلد ذكره،وتقرر عند المطالعين المستفدين منها أنه لم يخلف مثله بعده.
مضى إلى رحمة اللهتعالى، يوم الاثنين، الرابع عشر، من جمادى الآخرة، سنة خمس وخمسمائة. ودفن بظاهرقصبة طابران، والله تعالى يخصه بأنواع الكرامة فى آخرته، كما خصه بفنون العلم فىدنياه بمنه، ولم يعقب إلا البنات.
وكان له من الأسبابإرثاً وكسباً ما يقوم بكفايته، ونفقة أهله وأولاده، فما كان يباسط أحدا فى الأمورالدنيوية، وقد عرضت عليه أموال، فما قبلها، وأعرض عنها، واكتفى بالقدر الذى يصونبه دينه، ولا يحتاج معه إلى التعرض لسؤال ومنال من غيره.
[ *** - انظر ملاحظة في اسفل الصفحة - ***]
ومماكان يتعرض به عليه وقوع خلل من جهة النحو، يقع فى أثناء كلامه، وروجع فيه، فأنصفمن نفسه، واعترف بأنه ما مارس ذلك الفن، واكتفى بما كان يحتاج إليه فى كلامه، معأنه كان يؤلف الخطب، ويشرح الكتب، بالعبارات التى تعجز الأدباء والفصحاء عنأمثالها، وأذن للذين يطالعون كتبه، فيعثرون على خلل فيها من جهة اللفظ، أن يصلحوه،ويعذروه، فما كان قصده إلا المعانى، وتحقيقها، دون الألفاظ، وتلفيقها.
وممانقم عليه ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية فى كتاب ((كمياء السعادة، والعلوم)) وشرح بعض السور، والمسائل،بحيث لا يوافق مراسم الشرع، وظواهر ما عليه قواعد الإسلام.
وكانالإولى به، والحق أحق أن يقال، ترك ذلك التصنيف، والإعراض عن الشرح به، فإن العوامربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين، والحجج، فإذا سمعوا شيئاً من ذلك، تخيلوامنه ما هو المضر بعقائدهم، وينسبون ذلك إلى بيان مذاهب الأوائل.
على أنالمنصف اللبيب إذا رجع إلى نفسه، علم أن أكثر ما ذكره، مما رمز إليه إشارات الشرعوإن لم يبح به، ويوجد أمثاله فى كلام مشياخ الطريقة مرموزة ومصرحا بها، متفرقة،وليس لفظ منه إلا وكما يشعر أحد وجوهه بكلام موهم، فأنه يشعر سائر وجوهه بما يوافقعقائد أهل الملة.
فلايجب إذا حمله إلا على ما يوافق ولا ينبغى أن يتعلق به فى الرد عليه متعلق، إذاأمكنه أن يبين له وجهاً فى الصحة، يوافق الأصول.
على أنهذا القدر يحتاج إلى من يظهره، وكان الأولى أن يترك الأفصاح بذلك، كما تقدم ماذكره، وليس كما يتقرر ويتمشى لأحد تقريره ينبغى أن يظهره، بل أكثر الأشياء ممايدري ويطوى، ولايحكى، فعلى ذلك درج الأولون، وعبر السلف الصالحون، إبقاء على مراسمالشرع، وصيانة لمعالم الدين عن طعن الطاعنين، وعيرة المارقين الجاحدين، واللهالموفق للصواب.
وقدتسمعت أنه سمع من ((سننأبى دواد السجستانى)) عن الحاكم أبى الفتح الحاكمى الطوسى - وماعثرت على سماعه، وسمع الأحاديث المتفرقة اتفاقامع الفقهاء.
فمماعثرت عليه ما سمعه من كتاب ((لمولد النبى صلى الله عليه وسلم)) من تأليف أبى بكر أحمد الخوارى، خوارطبران رحمه الله، مع ابنيه الشيخين: عبد الجبار، وعبد الحميد، وجماعة من الفقهاء.
ومنذلك ما قال: أخبرنا الشيخ أبو عبدالله محمد بن أحمد الخوارى، أخبرنا أبو بكر بنالحارث الأصبهانى، أخبرنا أبو محمد بن حيان، أخبرنا أبو بكر أحمد بن عمرو ابن أبىعاصم، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، حدثنا عبد العزيز أبى ثابت، حدثنا الزبيربن موسى، عن أبى الحويرث، قال: سمعت عبد الملك بن مروان سأل قباث بن أشيم الكنانى:أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
فقال: رسول الله صلى الله عليهوسلم، أكبر منى وأنا أسن منه، ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل.
وتمامالكتاب فى جزأين مسموع له.
تعليقات
إرسال تعليق