التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من سبتمبر, 2012

بيان سرعة تقلب القلب وانقسام القلوب في التغير والثبات

اعلم أن القلب كما ذكرناه تكتنفه الصفات التي ذكرناها وتنصب إليه الآثار والأحوال من الأبواب التي وصفناها فكأنه هدف يصاب على الدوام من كل جانب فإذا أصابه شيء يتأثر به أصابه من جانب آخر ما يضاده فتتغير صفته فإن نزل به الشيطان فدعاه إلى الهوى نزل به الملك وصرفه عنه وإن جذبه شيطان إلى شر جذبه شيطان آخر إلى غيره وإن جذبه ملك إلى خير جذبه آخر إلى غيره فتارة يكون متنازعا بين ملكين وتارة بين شيطانين وتارة بين ملك وشيطان لا يكون قط مهملا وإليه الإشارة بقوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ولاطلاع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عجيب صنع الله تعالى في عجائب القلب وتقلبه كان يحلف به فيقول لا ومقلب القلوب [1]  وكان كثيرا ما يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قالوا أو تخاف يا رسول الله قال وما يؤمنني والقلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء [2]  وفي لفظ آخر إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه وضرب له ص

بيان أن الوسواس هل يتصور أن ينقطع بالكلية عند الذكر أم لا

اعلم أن العلماء المراقبين للقلوب الناظرين في صفاتها وعجائبها اختلفوا في هذه المسألة على خمس فرق فقالت فرقة الوسوسة تنقطع بذكر الله عز وجل لأنه صلى الله عليه وسلم قال فإذا ذكر الله خنس [1]  والخنس هو السكوت فكأنه يسكت وقالت فرقة لا ينعدم أصله ولكن يجري في القلب ولا يكون له أثر لأن القلب إذا صار مستوعبا بالذكر كان محجوبا عن التأثر بالوسوسة كالمشغول بهمه فإنه قد يتكلم ولا يفهم وإن كان الصوت يمر على سمعه وقالت فرقة لا تسقط الوسوسة ولا أثرها أيضا ولكن تسقط غلبتها للقلب فكأنه يوسوس من بعد وعلى ضعف وقالت فرقة ينعدم عند الذكر في لحظة وينعدم الذكر في لحظه ويتعاقبان في أزمنة متقاربة يظن لتقاربها أنها متساوقة وهي كالكرة التي عليها نقط متفرقة فإنك إذا أدرتها بسرعة تواصلها بالحركة واستدل هؤلاء بأن الخنس قد ورد ونحن نشاهد الوسوسة مع الذكر ولا وجه له إلا هذا وقالت فرقة الوسوسة والذكر يتساوقان في الدوام على القلب تساوقا لا ينقطع وكما أن الإنسان قد يرى بعينيه شيئين في حالة واحدة فكذلك القلب قد يكون مجرى لشيئين فقد قال صلى الله عليه وسلم ما من عبد إلا وله أربعة أعين عينان في رأسه يبصر بهما أ...

بيان ما يؤاخذ به العبد من وساوس القلوب وهمها وخواطرها وقصودها وما يعفى عنه ولا يؤاخذ به

اعلم أن هذا أمر غامض وقد وردت فيه آيات وأخبار متعارضة يلتبس طريق الجمع بينها إلا على سماسرة العلماء بالشرع فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عفى عن أمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تتكلم به أو تعمل به [1]  وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول للحفظة إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فاكتبوها سيئة وإذا هم بحسنة لم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا [2]  وقد خرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وهو دليل على العفو عن عمل القلب وهمه بالسيئة وفي لفظ آخر من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ومن هم بحسنة فعملها كتبت له إلى سبعمائة ضعف ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت وفي لفظ آخر وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها وكل ذلك يدل على العفو فأما ما يدل على المؤاخذة فقوله سبحانه إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا فدل على أن عمل الفؤاد كعمل السمع والبصر فلا يعفي عنه وقوله تعالى ولا...

بيان مجامع أوصاف القلب وأمثلته

بيان مجامع أوصاف القلب وأمثلته اعلم أن الإنسان قد اصطحب في خلقته وتركيبه أربع شوائب فلذلك اجتمع عليه أربعة أنواع من الأوصاف وهي الصفات السبعية والبهيمية والشيطانية والربانية فهو من حيث سلط عليه الغضب يتعاطى أفعال السباع من العداوة والبغضاء والتهجم على الناس بالضرب والشتم ومن حيث سلطت عليه الشهوة يتعاطى أفعال البهائم من الشره والحرص والشبق وغيره ومن حيث إنه في نفسه أمر رباني كما قال الله تعالى قل الروح من أمر ربي فإنه يدعي لنفسه الربوبية ويحب الاستيلاء والاستعلاء والتخصص والاستبداد بالأمور كلها والتفرد بالرياسة والانسلال عن ربقة العبودية والتواضع ويشتهي الاطلاع على العلوم كلها بل يدعي لنفسه العلم والمعرفة والإحاطة بحقائق الأمور ويفرح إذا نسب إلى العلم ويحزن إذا نسب إلى الجهل والإحاطة بجميع الحقائق والاستيلاء بالقهر على جميع الخلائق من أوصاف الربوبية وفي الإنسان حرص على ذلك ومن حيث يختص من البهائم بالتمييز مع مشاركته لها في الغضب والشهوة حصلت فيه شيطانية فصار شريرا يستعمل التمييز في استنباط وجوه الشر ويتوصل إلى الأغراض بالمكر والحيلة والخداع ويظهر الشر في معرض الخير وهذه أخلاق الشيا...

بيان جنود القلب

قال الله تعالى وما يعلم جنود ربك إلا هو فلله سبحانه في القلوب والأرواح وغيرها من العوالم جنود مجندة لا يعرف حقيقتها وتفصيل عددها إلا هو ونحن الآن نشير إلى بعض جنود القلب فهو الذي يتعلق بغرضنا وله جندان جند يرى بالأبصار وجند لا يرى إلا بالبصائر وهو في حكم الملك والجنود في حكم الخدم والأعوان فهذا معنى الجند فأما جنده المشاهد بالعين فهو اليد والرجل والعين والأذن واللسان وسائر الأعضاء الظاهرة والباطنة فإن جميعها خادمة للقلب ومسخرة له فهو المتصرف فيها والمردد لها وقد خلقت مجبولة على طاعته لا تستطيع له خلافا ولا عليه تمردا فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت وإذا أمر الرجل بالحركة تحركت وإذا أمر اللسان بالكلام وجزم الحكم به تكلم وكذا سائر الأعضاء وتسخير الأعضاء والحواس للقلب يشبه من وجه تسخير الملائكة لله تعالى فإنهم مجبولون على الطاعة لا يستطيعون له خلافا بل لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وإنما يفترقان في شيء وهو أن الملائكة عليهم السلام عالمة بطاعتها وامتثالها والأجفان تطيع القلب في الانفتاح والانطباق على سبيل التسخير ولا خبر لها من نفسها ومن طاعتها للقلب وإنما افتقر القلب إلى ه...

آداب المحتسب

باب آداب المحتسب  قد ذكرنا تفاصيل الآداب في آحاد الدرجات ونذكر الآن جملها ومصادرها فنقول جميع آداب المحتسب مصدرها ثلاث صفات في المحتسب العلم والورع وحسن الخلق أما العلم فليعلم مواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها ليقتصر على حد الشرع فيه والورع ليردعه عن مخالفة معلومة فما كل من علم عمل بعلمه بل ربما يعلم أنه مسرف في الحسبة وزائد على الحد المأذون فيه شرعا ولكن يحمله عليه غرض من الأغراض وليكن كلامه ووعظه مقبولا فإن الفاسق يهزأ به إذا احتسب ويورث ذلك جراءة عليه وأما حسن الخلق فليتمكن به من اللطف والرفق وهو أصل الباب وأسبابه والعلم والورع لا يكفيان فيه فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع في قمعه ما لم يكن في الطبع قبوله بحسن الخلق وعلى التحقيق فلا يتم الورع إلا مع حسن الخلق والقدرة على ضبط الشهوة والغضب وبه يصبر المحتسب على ما أصابه في دين الله وإلا فإذا أصيب عرضه أو ماله أو نفسه بشتم أو ضرب نسي الحسبة وغفل عن دين الله واشتغل بنفسه بل ربما يقدم عليه ابتداء لطلب الجاه والاسم  فهذه الصفات الثلاث بها تصير الحسبة من القربات وبها تندفع المنكرات وإن فقدت لم يندفع المن...