التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيان ذم الرياء



 بيان ذم الرياء
اعلم أن الرياء حرام والمرائي عند الله ممقوت وقد شهدت لذلك الآيات والأخبار والآثار
أما الآيات فقوله تعالى فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون وقوله عز وجل والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور قال مجاهد هم أهل الرياء وقال تعالى إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا فمدح المخلصين ينفي كل إرادة سوى وجه الله والرياء ضده وقال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا نزل بعد ذلك فيمن يطلب الأجر والحمد بعباداته وأعماله
وأما الأخبار فقد قال صلى الله عليه وسلم حين سأله رجل فقال يا رسول الله فيم النجاة فقال أن لا يعمل العبد بطاعة الله يريد بها الناس وقال أبو هريرة في حديث الثلاثة المقتول في سبيل الله والمتصدق بماله والقارئ لكتاب الله كما أوردناه في كتاب الإخلاص وإن الله عز وجل يقول لكل واحد منهم كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد كذبت بل أردت أن يقال فلان شجاع كذبت بل أردت أن يقال فلان قارئ فأخبر صلى الله عليه وسلم أنهم لم يثابوا وأن رياءهم هو الذي أحبط أعمالهم(1)  وقال ابن عمر رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم من راءى راءى الله به ومن سمع سمع الله به (2)
وقال صلى الله عليه وسلم إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال الرياء يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء (3)  وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل من عمل لي عملا أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا منه بريء وأنا منه بريء وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك (4)
 وقال عيسى المسيح صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته ويمسح شفتيه لئلا يرى الناس أنه صائم وإذا أعطى بيمينه فليخف عن شماله وإذا صلى فليرخ ستر بابه فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق
 وقال نبينا صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله عز وجل عملا فيه مثقال ذرة من رياء حديث لا يقبل الله عملا فيه مقدار ذرة من رياء لم أجده هكذا وقال عمر لمعاذ بن جبل حين رآه يبكي ما يبكيك قال حديث سمعته من صاحب هذا القبر يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن أدنى الرياء شرك (5)
 وقال صلى الله عليه وسلم أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهرة الخفية وهي أيضا ترجع إلى خطايا الرياء ودقائقه وقال صلى الله عليه وسلم إن في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله رجلا تصدق بيمينه فكاد يخفيها عن شماله(6) ولذلك ورد أن فضل عمل السر على عمل الجهر بسبعين ضعفا  وقال صلى الله عليه وسلم إن المرائي ينادى عليه يوم القيامة يا فاجر يا غادر يا مرائي ضل عملك وحبط أجرك اذهب فخذ أجرك ممن كنت تعمل له (7) وقال شداد بن أوس رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يبكي فقلت ما يبكيك يا رسول الله قال إني تخوفت على أمتي الشرك أما إنهم لا يعبدون صنما ولا شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولكنهم يراءون بأعمالهم(8) 

 وأما الآثار فيروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلا يطأطئ رقبته فقال يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب ورأى أبو أمامة الباهلي رجلا في المسجد يبكي في سجوده فقال أنت أنت لو كان هذا في بيتك وقال علي كرم الله وجهه للمرائي ثلاث علامات يكسل إذا كان وحده وينشط إذا كان في الناس ويزيد في العمل إذا أثني صلى الله عليه وسلم عليه وينقص إذا ذم وقال رجل لعبادة بن الصامت أقاتل بسيفي في سبيل الله أريد به وجه الله تعالى ومحمدة الناس قال لا شيء لك فسأله ثلاث مرات كل ذلك يقول لا شيء لك ثم قال في الثالثة إن الله يقول أنا أغنى الأغنياء عن الشرك الحديث وسأل رجل سعيد بن المسيب فقال إن أحدنا يصطنع المعروف يحب أن يحمد ويؤجر فقال له أتحب أن تمقت قال لا قال فإذا عملت لله عملا فأخلصه وقال الضحاك لا يقولن أحدكم هذا لوجه الله ولوجهك ولا يقولن هذا لله وللرحم فإن الله تعالى لا شريك له وضرب عمر رجلا بالدرة ثم قال له اقتص مني فقال لا بل أدعها لله ولك فقال له عمر ما صنعت شيئا إما أن تدعها لي فأعرف ذلك أو تدعها لله وحده فقال ودعتها لله وحده فقال فنعم إذن وقال الحسن لقد صحبت أقواما إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه وما يمنعه منها إلا مخافة الشهرة وإن كان أحدهم ليمر فيرى الأذى في الطريق فما يمنعه أن ينحيه إلا مخافة الشهرة ويقال إن المرائي ينادي يوم القيامة بأربعة أسماء يا مرائي يا غادر يا خاسر يا فاجر اذهب فخذ أجرك ممن عملت له فلا أجر لك عندنا
 وقال الفضيل بن عياض كانوا يراءون بما يعملون وصاروا اليوم يراءون بما لا يعملون وقال عكرمة إن الله يعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله لأن النية لا رياء فيها وقال الحسن رضي الله عنه المرائي يريد أن يغلب قدر الله تعالى وهو رجل سوء يريد أن يقول الناس هو رجل صالح وكيف يقولون وقد حل من ربه محل الأردياء فلا بد لقلوب المؤمنين أن تعرفه وقال قتادة إذا راءى العبد يقول الله تعالى انظروا إلى عبدي يستهزئ بي
 وقال مالك بن دينار الفراء ثلاثة قراء الرحمن وقراء الدنيا وقراء الملوك وأن محمد بن واسع من قراء الرحمن وقال الفضل من أراد أن ينظر إلى مراء فلينظر إلي وقال محمد بن المبارك الصوري أظهر السمت بالليل فإنه أشرف من سمتك بالنهار لأن السمت بالنهار للمخلوقين وسمت الليل لرب العالمين وقال أبو سليمان التوقي عن العمل أشد من العمل وقال ابن المبارك إن كان الرجل ليطوف بالبيت وهو بخراسان فقيل له وكيف ذاك قال يحب أن لا يذكر أنه مجاور بمكة وقال إبراهيم بن أدهم ما صدق الله من أراد أن يشتهر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
>(1)حديث أبي هريرة في الثلاثة المقتول في سبيل الله والمتصدق بماله والقارئ لكتابه فإن الله تعالى يقول لكل واحد منهم كذبت رواه مسلم وسيأتي في كتاب الإخلاص
>(2)حديث ابن عمر من راءى راءى الله تعالى به ومن سمع سمع الله به متفق عليه من حديث جندب بن عبد الله وأما حديث ابن عمر فرواه الطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب من رواية شيخ يكنى أبا يزيد عنه بلفظ من سمع الناس سمع الله به سامع خلقه وحقره وصغره وفي الزهد لابن المبارك ومسند أحمد بن منيع إنه من حديث عبد الله بن عمرو 
>(3)حديث إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الحديث أخرجه أحمد والبيهقي في الشعب من حديث محمود بن لبيد وله رواية ورجاله ثقات ورواه الطبراني من رواية محمود بن لبيد عن رافع بن خديج
>(4)حديث يقول الله من عمل لي عملا أشرك فيه غيري فهو له كله الحديث أخرجه مالك واللفظ له من حديث أبي هريرة دون قوله وأنا منه بريء ومسلم مع تقديم وتأخير دونها أيضا وهي عند ابن ماجه بسند صحيح
>(5)حديث معاذ إن أدنى الرياء شرك أخرجه الطبراني هكذا والحاكم بلفظ إن اليسير من الرياء شرك وقد تقدم
>(6)حديث إن في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله رجلا تصدق بيمينه فكاد أن يخفيها عن شماله متفق عليه من حديث أبي هريرة بنحوه في حديث سبعة يظلهم الله في ظله 
>(7)حديث إن المرائي ينادى يوم القيامة يا فاجر يا غادر يا مرائي ضل عملك وحبط أجرك الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا من رواية جبلة اليحصبي من صحابي لم يسم وزاد يا كافر يا خاسر ولم يقل يا مرائي وإسناده ضعيف
>(8) حديث شداد بن أوس إني تخوفت على أمتي الشرك الحديث أخرجه ابن ماجه والحاكم نحوه وقد تقدم قريبا




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

علم المكاشفة

فإن قلت فصل لي علم طريق الآخرة تفصيلا يشير إلى تراجمه وإن لم يمكن استقصاء تفاصيله: فاعلم أنه قسمان علم مكاشفة وعلم معاملة: فالقسم الأول علم المكاشفة وهو علم الباطن وذلك غاية العلوم فقد قال بعض العارفين من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة وأدنى نصيب منه التصديق به

بيان فضيلة الجوع وذم الشبع

             قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وأنه ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش حديث جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش ثم أجد له أصلا وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه حديث ابن عباس لا يدخل ملكوت السموات من ملأ بطنه لم أجده أيضا وقيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال من قل مطعمه وضحكه ورضي مما يستر به عورته حديث أي الناس أفضل قال من قل طعمه وضحكه ورضي بما يستر عورته يأتي الكلام عليه وعلى ما بعده من الأحاديث وقال النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأعمال الجوع وذل النفس لباس الصوف حديث سيد الأعمال الجوع وذل النفس لباس الصوف وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله 

كتاب الصلاة

ا وهو الكتاب الرابع من ربع العبادات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي غمر العباد بلطائفه وعمر قلوبهم بأنوار الدين ووظائفه التي تنزل عن عرش الجلال إلى السماء الدنيا من درجات الرحمة إحدى عواطفه فارق الملوك مع التفرد بالجلال والكبرياء بترغيب الخلق في السؤال والدعاء فقال هل من داع فأستجيب له وهل من مستغفر فأغفر له وباين السلاطين بفتح الباب ورفع الحجاب فرخص للعباد في المناجاة بالصلوات كيفما تقلبت بهم الحالات في الجماعات والخلوات ولم يقتصر على الرخصة بل تلطف بالترغيب والدعوة، وغيره من ضعفاء الملوك لا يسمح بالخلوة إلا بعد تقديم الهدية والرشوة فسبحانه ما أعظم شأنه وأقوى سلطانه وأتم لطفه وأعم إحسانه والصلاة على محمد نبيه المصطفى ووليه المجتبى وعلى آله وأصحابه مفاتيح الهدى ومصابيح الدجى وسلم تسليما. أما بعد فإن الصلاة عماد الدين وعصام اليقين ورأس القربات وغرة الطاعات وقد استقصينا في فن الفقه في بسيط المذهب ووسيطه ووجيزه أصولها وفروعها صارفين جمام العناية إلى تفاريعها النادرة ووقائعها الشاذة لتكون خزانة للمفتي منها يستمد ومعولا له إليها يفزع ويرجع ونحن الآن في هذا الكتاب نقتصر على ما لا ...