التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حكم السماع


فلنبدأ بحكم السماع وهو الأول وننقل فيه الاقاويل المعربة عن المذاهب فيه ثم نذكر الدليل على إباحته ثم نردفه بالجواب عما تمسك به القائلون بتحريمه فأما نقل المذاهب فقد حكى القاضي أبو الطيب الطبري عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان وجماعة من العلماء ألفاظا يستدل بها على أنهم رأوا تحريمه وقال الشافعي رحمه الله في كتاب آداب القضاء إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته وقال القاضي أبو الطيب استماعه من المرأة التي ليست بمحرم له لا يجوز عند أصحاب الشافعي رحمه الله بحال سواء كانت مكشوفة أو من وراء حجاب وسواء كانت حرة أو مملوكة وقال قال الشافعي رضي الله عنه صاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته وقال وحكى عن الشافعي انه كان يكره الطقطقة بالقضيب ويقول وضعته الزنادقة ليشتغلوا به عن القرآن وقال الشافعي رحمه الله ويكره من جهة الخبر اللعب بالنرد اكثر مما يكره اللعب بشيء من الملاهي ولا أحب اللعب بالشطرنج وأكره كل ما يلعب به الناس لأن اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة وأما مالك رحمه الله فقد نهى عن الغناء وقال إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا ابن سعد وحده وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه كان يكره ذلك ويجعل سماع الغناء من الذنوب وكذلك سائر أهل الكوفة سفيان الثوري وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم فهذا كله نقله القاضي أبو الطيب الطبري ونقل أبو طالب المكي إباحة السماع من جماعة فقال سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير والمغيرة بن شعبة ومعاوية وغيرهم وقال قد فعل ذلك كثير من السلف الصالح صحابي وتابعي بإحسان وقال لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره كأيام التشريق ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية قال وكان لعطاء جاريتان يلحنان فكان إخوانه يستمعون إ
ليهما قال وقيل لأبي الحسن بن سالم كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسرى السقطى وذو النون يستمعون فقال وكيف انكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو خير مني فقد كان عبد الله بن جعفر الطيار يسمع وإنما أنكر اللهو واللعب في السماع وروى عن يحيى بن معاذ أنه قال فقدنا ثلاثة أشياء فما نراها ولا أراها تزداد إلا قلة حسن الوجه مع الصيانة وحسن القول مع الديانة وحسن الإخاء مع الوفاء ورأيت في بعض الكتب هذا محكيا بعينه عن الحارث المحاسبي وفيه ما يدل على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه وجده في الدين وتشميره قال وكان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيه سماع وحكى غير واحد أنه قال اجتمعنا في دعوة ومعنا أبو القاسم ابن بنت منيع وأبو بكر ابن داود وابن مجاهد في نظرائهم فحضر سماع فجعل ابن مجاهد يحرض ابن بنت منيع على ابن داود في أن يسمع فقال ابن داود حدثني أبي عن احمد بن حنبل أنه كره السماع وكان أبي يكرهه وأنا على مذهب أبي فقال أبو القاسم ابن بنت منيع أما جدى احمد ابن بنت منيع فحدثني عن صالح بن احمد أن أباه كان يسمع قول ابن الخبازة فقال ابن مجاهد لابن داود دعني أنت من أبيك وقال لابن بنت منيع دعني أنت من جدك أي شيء تقول يا أبا بكر فيمن أنشد بيت شعر أهو حرام فقال ابن داود لا قال فإن كان حسن الصوت حرم عليه إنشاده قال لا قال فإن أنشده وطوله وقصر منه الممدود ومد منه المقصور أيحرم عليه قال أنا لم أقو لشيطان واحد فكيف أقوى لشيطانين قال وكان أبو الحسن العسقلاني الأسود من الأولياء يسمع ويوله عند السماع وصنف فيه كتابا ورد فيه على منكريه وكذلك جماعة منهم صنفوا في الرد على منكريه وحكى عن بعض الشيوخ أته قال رأيت أبا العباس الخضر عليه السلام فقلت له ما تقول في هذا السماع الذي اختلف فيه اصحابنا فقال هو الصفو الزلال الذي لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء وحكي عن ممشاد الدينوري أنه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت يا رسول الله هل تنكر من هذا السماع شيئا فقال ما أنكر منه شيئا ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن ويختمون بعده بالقرآن وحكى عن طاهر بن بلال الهمداني الوراق وكان من أهل العلم أنه قال كنت معتكفا في جامع جدة على البحر فرأيت يوما طائفة يقولون في جانب منه قولا ويستمعون فأنكرت ذلك بقلبي وقلت في بيت من بيوت الله يقولون الشعر قال فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وهو جالس في تلك الناحية والى جنبة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وإذا أبو بكر يقول شيئا من القول والنبي صلى الله عليه وسلم يستمع إليه ويضع يده على صدره كالواجد بذلك فقلت في نفسي ما كان ينبغي لي أن أنكر على أولئك الذين كانوا يستمعون وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع وأبو بكر يقول فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هذا حق بحق أو قال حق من حق أنا أشك فيه وقال الجنيد تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواضع عند الأكل لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة وعند المذاكرة لأنهم لا يتحاورون إلا في مقامات الصديقين وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا وعن ابن جريج انه كان يرخص في السماع فقيل له أيؤتى يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك فقال لا في الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو وقال الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم هذا ما نقل من الاقاويل ومن طلب الحق في التقليد فمهما استقصى تعارضت عنده هذه الاقاويل فيبقى متحيرا أومائلاإلى بعض الاقاويل بالتشهي وكل ذلك قصور بل ينبغي أن يطلب الحق بطريقه وذلك بالبحث عن مدارك الحظر والاباحة كما سنذكره 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

علم المكاشفة

فإن قلت فصل لي علم طريق الآخرة تفصيلا يشير إلى تراجمه وإن لم يمكن استقصاء تفاصيله: فاعلم أنه قسمان علم مكاشفة وعلم معاملة: فالقسم الأول علم المكاشفة وهو علم الباطن وذلك غاية العلوم فقد قال بعض العارفين من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة وأدنى نصيب منه التصديق به

بيان فضيلة الجوع وذم الشبع

             قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وأنه ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش حديث جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش ثم أجد له أصلا وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه حديث ابن عباس لا يدخل ملكوت السموات من ملأ بطنه لم أجده أيضا وقيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال من قل مطعمه وضحكه ورضي مما يستر به عورته حديث أي الناس أفضل قال من قل طعمه وضحكه ورضي بما يستر عورته يأتي الكلام عليه وعلى ما بعده من الأحاديث وقال النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأعمال الجوع وذل النفس لباس الصوف حديث سيد الأعمال الجوع وذل النفس لباس الصوف وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله 

كتاب الصلاة

ا وهو الكتاب الرابع من ربع العبادات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي غمر العباد بلطائفه وعمر قلوبهم بأنوار الدين ووظائفه التي تنزل عن عرش الجلال إلى السماء الدنيا من درجات الرحمة إحدى عواطفه فارق الملوك مع التفرد بالجلال والكبرياء بترغيب الخلق في السؤال والدعاء فقال هل من داع فأستجيب له وهل من مستغفر فأغفر له وباين السلاطين بفتح الباب ورفع الحجاب فرخص للعباد في المناجاة بالصلوات كيفما تقلبت بهم الحالات في الجماعات والخلوات ولم يقتصر على الرخصة بل تلطف بالترغيب والدعوة، وغيره من ضعفاء الملوك لا يسمح بالخلوة إلا بعد تقديم الهدية والرشوة فسبحانه ما أعظم شأنه وأقوى سلطانه وأتم لطفه وأعم إحسانه والصلاة على محمد نبيه المصطفى ووليه المجتبى وعلى آله وأصحابه مفاتيح الهدى ومصابيح الدجى وسلم تسليما. أما بعد فإن الصلاة عماد الدين وعصام اليقين ورأس القربات وغرة الطاعات وقد استقصينا في فن الفقه في بسيط المذهب ووسيطه ووجيزه أصولها وفروعها صارفين جمام العناية إلى تفاريعها النادرة ووقائعها الشاذة لتكون خزانة للمفتي منها يستمد ومعولا له إليها يفزع ويرجع ونحن الآن في هذا الكتاب نقتصر على ما لا ...