الدرجة الرابعة النظر فيه من حيث إنه محرك للقلب ومهيج لما هو الغالب عليه فأقول لله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى إنها لتؤثر فيها تأثيرا عجيبا فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن ومنها ما ينوم ومنها ما يضحك ويطرب ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل جار في الأوتار حتى قيل من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج وكيف يكون ذلك لفهم المعنى وتأثيره مشاهد في الصبى في مهده فإنه يسكنه الصوت الطيب عن بكائه وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرا يستخف معه الأحمال الثقيلة ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه فتراها إذا طالت عليها البوادي واعتراها الإعياء والكلال تحت المحامل والأحمال إذا سمعت منادى الحداء تمد أعناقها وتصغى إلى الحادي ناصية آذانها وتسرع في سيرها حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها وربما تتلف أنفسها من شدة السير وثقل الحمل وهي لا تشعر به لنشاطها فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالرقي رضي الله عنه قال كنت بالبادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب فأضافني رجل منهم وأدخلني خباءه فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيدا بقيد ورأيت جمالا قد ماتت بين يدي البيت وقد بقى منها جمل وهو ناحل ذابل كأنه ينزع روحه فقال لي الغلام أنت ضيف ولك حق فتشفع في إلى مولاي فإنه مكرم لضيفه فلا يرد شفاعتك في هذا القدر فعساه يحل القيد عني قال فلما أحضروا الطعام امتنعت وقلت لا آكل ما لم أشفع في هذا العبد فقال إن هذا العبد قد أفقرني وأهلك جميع مالي فقلت ماذا فعل فقال إن له صوتا طيبا وإني كنت أعيش من ظهور هذه الجمال فحملها أحمالا ثقالا وكان يحدو بها حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة من طيب نغمته فلما حطت أحمالها ماتت كلها إلا هذا الجمل الواحد ولكن أنت ضيفي فلكرامتك قد وهبته لك قال فأحببت أن أسمع صوته فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقى الماء من بئر هناك فلما رفع صوته هام ذلك الجمل وقطع حباله ووقعت أنا على وجهي فما أظن أني سمعت قط صوتا أطيب منه فإذن تأثير السماع في القلب محسوس ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور بل على جميع البهائم فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة ولذلك كانت الطيور تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته ومهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلب لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة ولا تحريم بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص واختلاف طرق النغمات فحكمه حكم ما في القلب قال أبو سليمان السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه ولكن يحرك ما هو فيه فالترنم بالكلمات المسجعة الموزونة معتاد في مواضع لأغراض مخصوصة ترتبط بها آثار في القلب وهي سبعة مواضع الأول غناء الحجيج فإنهم اولا يدورون في البلاد بالطبل والشاهين والغناء وذلك مباح لأنها أشعار نظمت في وصف الكعبة والمقام والحطيم وزمزم وسائر المشاعر ووصف البادية وغيرها وأثر ذلك يهيج الشوق إلى حج بيت الله تعالى واشتعال نيرانه إن كان ثم شوق حاصل أو استثارة الشوق واجتلابه إن لم يكن حاصلا وإذا كان الحج قربة والشوق إليه محمودا كان التشويق إليه بكل ما يشوق محمودا وكما يجوز للواعظ أن ينظم كلامه في الوعظ ويزينه بالسجع ويشوق الناس إلى الحج بوصف البيت والمشاعر ووصف الثواب عليه جاز لغيره ذلك على نظم الشعر فإن الوزن إذا انضاف إلى السجع صار الكلام أوقع في القلب فإذا أضيف إليه صوت طيب ونغمات موزونة زاد وقعه فإن أضيف إليه الطبل والشاهين وحركات الإيقاع زاد التأثير وكل ذلك جائز ما لم يدخل فيه المزامير والأوتار التي هي من شعار الأشرار نعم إن قصد به تشويق من لا يجوز له الخروج إلى الحج كالذي أسقط الفرض عن نفسه ولم يأذن له أبواه في الخروج فهذا يحرم عليه الخروج فيحرم تشويقه إلى الحج بالسماع بكل كلام يشوق إلى الخروج فإن التشويق إلى الحرام حرام وكذلك إن كانت الطريق غير آمنة وكان الهلاك غالبا لم يجز تحريك القلوب ومعالجتها بالتشويق الثاني ما يعتاده الغزاة لتحريض الناس على الغزو وذلك أيضا مباح كما للحاج ولكن ينبغي أن تخالف أشعارهم وطرق ألحانهم أشعار الحاج وطرق ألحانهم لأن استثارة داعية الغزو بالتشجيع وتحريك الغيظ والغضب فيه على الكفار وتحسين الشجاعة واستحقار النفس والمال بالإضافة إليه بالأشعار المشجعة مثل قول المتنبي فإن لا تمت تحت السيوف مكرما تمت وتقاس الذل غير مكرم وقوله أيضا يرى الجبناء أن الجبن حزم وتلك خديعة الطبع اللئيم وأمثال ذلك وطرق الأوزان المشجعة تخالف الطرق المشوقة وهذا أيضا مباح في وقت يباح فيه الغزو ومندوب إليه وقت يستحب فيه الغزو ولكن في حق من يجوز له الخروج إلى الغزو الثالث الرجزيات التي يستعملها الشجعان في وقت اللقاء والغرض منها التشجيع للنفس وللأنصار وتحريك النشاط فيهم للقتال وفيه التمدح بالشجاعة والنجدة وذلك إذا كان بلفظ رشيق وصوت طيب كان أوقع في النفس وذلك مباح في كل قتال مباح ومندوب في قتال مندوب ومحظور في قتال المسلمين وأهل الذمة وكل قتال محظور لأن تحريك الدواعي إلى المحظور محظور وذلك منقول عن شجعان الصحابة رضي الله عنهم كعلي وخالد رضي الله عنهما وغيرهما ولذلك نقول ينبغي أن يمنع من الضرب بالشاهين في معسكر الغزاة فإن صوته مرقق محزن يحلل عقدة الشجاعة ويضعف صرامة النفس ويشوق إلى الأهل والوطن ويورث الفتور في القتال وكذا سائر الأصوات والألحان المرققة للقلب فالألحان المرققة المحزنة تباين الألحان المحركة المشجعة فمن فعل ذلك على قصد تغيير القلوب وتفتير الآراء عن القتال الواجب فهو عاص ومن فعله على قصد التفتير عن القتال المحظور فهو بذلك مطيع الرابع أصوات النياحة ونغماتها وتأثيرها في تهييج الحزن والبكاء وملازمة الكآبة والحزن قسمان محمود ومذموم فأما المذموم فكالحزن على ما فات قال الله تعالى لكيلا تأسوا على ما فاتكم والحزن على الأموات من هذا القبيل فإنه تسخط لقضاء الله تعالى وتأسف على ما لا تدارك له فهذا الحزن لما كان مذموما كان تحريكه بالنياحة مذموما فلذلك ورد النهي الصريح عن النياحة حديث النهي عن النياحة متفق عليه من حديث أم عطية أخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم في البيعة أن لا ننوح وأما الحزن المحمود فهو حزن الإنسان على تقصيره في أمر دينه وبكاؤه على خطاياه والبكاء والتباكي والحزن والتحازن على ذلك محمود وعليه بكاء آدم عليه السلام وتحريك هذا الحزن وتقويته محمود لأنه يبعث على التشمير للتدارك ولذلك كانت نياحة داود عليه السلام محمودة إذ كان ذلك مع دوام الحزن وطول البكاء بسبب الخطايا والذنوب فقد كان عليه السلام يبكي ويبكي ويحزن حتى كانت الجنائز ترفع من مجالس نياحته وكان يفعل ذلك بألفاظه وألحانه وذلك محمود لأن المفضى إلى المحمود محمود وعلى هذا لا يحرم على الواعظ الطيب الصوت أن ينشد على المنبر بألحانه الأشعار المحزنة المرققة للقلب ولا أن يبكى ويتباكى ليتوصل به إلى تبكية غيره وإثارة حزنه الخامس السماع في أوقات السرور تأكيدا للسرور وتهييجا له وهو مباح إن كان ذلك السرور مباحا كالغناء في أيام العيد وفي العرس وفي وقت قدوم الغائب وفي وقت الوليمة والعقيقة وعند ولادة المولود وعند ختانه وعند حفظه القرآن العزيز وكل ذلك
مباح لأجل إظهار السرور به ووجه جوازه أن من الألحان ما يثير الفرح والسرور والطرب فكل ما جاز السرور به جاز إثاره السرور فيه ويدل على هذا من النقل إنشاد النساء على السطوح بالدف والألحان عند قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث إنشاد النساء عند قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث عائشة معضلا وليس فيه ذكر الدف والالحان طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع فهذا إظهار السرور لقدومه صلى الله عليه وسلم وهو سرور محمود فإظهاره بالشعر والنغمات والرقص والحركات أيضا محمود فقد نقل عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم حجلوا في سرور أصابهم حديث حجل جماعة من الصحابة في سرور أصابهم أخرجه أبو داود من حديث على وسيأتي في الباب الثاني كما سيأتي في أحكام الرقص وهو جائز في قدوم كل قادم يجوز الفرح به وفي كل سبب مباح من أسباب السرور ويدل على هذا ما روي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأمه حديث عائشة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد الحديث هو كما ذكره المصنف أيضا في الصحيحين لكن قوله إنه فيهما من رواية عقيل عن الزهري ليس كما ذكر بل هو عند البخاري كما ذكر وعند مسلم من رواية عمرو بن الحارث عنه فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو إشارة إلى طول مدة وقوفها وروى البخاري ومسلم أيضا في صحيحيهما حديث عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه فانتهرهما أبو بكر رضي الله عنه فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد وقالت عائشة رضى الله عنها رأيت صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمنا يا بني أرفدة حديث عائشة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بثوبه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمنا يا بني أرفدة تقدم قبله بحديث دون زجر عمر لهم إلى آخره فرواه مسلم من حديث أبي هريرة دون قوله أمنا يا بني أرفدة بل قال دعهم يا عمر زاد النسائي فإنما هم بنو أرفدة ولهما من حديث عائشة دونكم بني أرفدة وقد ذكره المصنف بعد هذا يعني من الأمن ومن حديث عمرو بن الحرث عن ابن شهاب نحوه وفيه تغنيان وتضربان حديث عمرو بن الحارث عن ابن شهاب نحوه وفيه يغنيان ويضربان رواه مسلم وهو عند البخاري من رواية الأوزاعي عن ابن شهاب وفي حديث أبي طاهر عن ابن وهب والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسترني بثوبه أو بردائه لكي أنظر إلى لعبهم ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا الذي أنصرف حديث أبي طاهر عن ابن وهب والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم الحديث رواه مسلم أيضا وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت كنت ألعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وكان يأتيني صواحب لي فكن يتقنعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر لمجيئهن إلى فيلعبن معي حديث عائشة كنت ألعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وهو في الصحيحين كماذكر المصنف لكن مختصر إلى قولها فيلعبن معى وأما الرواية المطولة التى ذكرها المصنف بقوله وفي رواية فليست من الصحيحين إنما رواها أبو داود بإسناد صحيح وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يوما ما هذا قالت بناتي قال فما هذا الذي أرى في وسطهن قالت فرس قال ما هذا الذي عليه قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أو ما سمعت أنه كان لسليمان بن داود عليه السلام خيل لها أجنحة قالت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه والحديث محمول عندنا على عادة الصبيان في اتخاذ الصورة من الخزف والرقاع من غير تكميل صورته بدليل ما روى في بعض الروايات أن الفرس كان له جناحان من رقاع وقالت عائشة رضي الله عنها دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه فدخل أبو بكر رضي الله عنه فانتهرني وقال مزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا حديث عائشة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث الحديث هو في الصحيحين كما ذكر المصنف والرواية التي عزاها لمسلم انفرد بها مسلم كما ذكر وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق والحراب فإما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإما قال تشتهين تنظرين فقلت نعم فأقامني وراءه وخدي على خده ويقول دونكم يا بني أرفدة حتى إذا مللت قال حسبك قلت نعم قال فاذهبي وفي صحيح مسلم فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا الذي انصرفت فهذه الأحاديث كلها في الصحيحين وهو نص صريح في أن الغناء واللعب ليس بحرام وفيها دلالة على أنواع من الرخص الأول اللعب ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب والثاني فعل ذلك في المسجد والثالث قوله صلى الله عليه وسلم دونكم يا بني أرفدة وهذا أمر باللعب والتماس له فكيف يقدر كونه حراما والرابع منعه لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما عن الإنكار والتغيير وتعليله بأنه يوم عيد أي هو وقت سرور وهذا من أسباب السرور والخامس وقوفه طويلا في مشاهدة ذلك وسماعه لموافقة عائشة رضي الله عنها وفيه دليل على أن حسن الخلق في تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب أحسن من خشونة الزهد والتقشف في الامتناع والمنع منه والسادس قوله صلى الله عليه وسلم ابتداء لعائشة أتشتهين أن تنظري ولم يكن ذلك عن اضطرار إلى مساعدة الأهل خوفا من غضب أو وحشة فإن الإلتماس إذا سبق ربما كان الرد سبب وحشة وهو محذور فيقدم محذور على محذور فأما ابتداء السؤال فلا حاجة فيه والسابع الرخصة في الغناء والضرب بالدف من الجاريتين مع أنه شبه ذلك بمزمار الشيطان وفيه بيان أن المزمار المحرم غير ذلك والثامن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرع سمعه صوت الجاريتين وهو مضطجع ولو كان يضرب بالأوتار في موضع لما جوز الجلوس ثم لقرع صوت الأوتار سمعه فيدل هذا على أن صوت النساء غير محرم تحريم صوت المزامير بل إنما يحرم عند خوف الفتنة فهذه المقاييس والنصوص تدل على إباحة الغناء والرقص والضرب بالدف واللعب بالدرق والحراب والنظر إلى رقص الحبشة والزنوج في أوقات السرور كلها قياسا على يوم العيد فإنه وقت سرور وفي معناه يوم العرس والوليمة والعقيقة والختان ويوم القدوم من السفر وسائر أسباب الفرح وهو كل ما يجوز به الفرح شرعا ويجوز الفرح بزيارة الإخوان ولقائهم واجتماعهم في موضع واحد على طعام أو كلام فهو أيضا مظنه السماع السادس سماع العشاق تحريكا للشوق وتهييجا للعشق وتسلية للنفس فإن كان في مشاهدة المعشوق فالغرض تأكيد اللذة وإن كان مع المفارقة فالغرض تهييج الشوق والشوق وإن كان ألما ففيه نوع لذة إذا انضاف إليه رجاء الوصال فإن الرجاء لذيذ واليأس مؤلم وقوة لذة الرجاء بحسب قوة الشوق والحب للشيء المرجو ففي هذا السماع تهييج العشق وتحريك الشوق وتحصيل لذة الرجاء المقدر في الوصال مع الإطناب في وصف حسن المحبوب وهذا حلال إن كان المشتاق إليه ممن يباح وصاله كمن يعشق زوجته أو سريته فيصغى إلى غنائها لتضاعف لذته في لقائها فيحظى بالمشاهدة البصر وبالسماع الأذن ويفهم لطائف معاني الوصال والفراق القلب فتترادف أسباب اللذة فهذه أنواع تمتع من جملة مباحات الدنيا ومتاعها وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وهذا منه وكذلك إن غضبت منه جارية أو حيل بينه وبينها بسبب من الأسباب فله أن يحرك بالسماع شوقه وأن يستثير به لذة رجاء الوصال فإن باعها أو طلقها حرم عليه ذلك بعده إذ لا يجوز تحريك الشوق حيث لا يجوز تحقيقه بالوصال واللقاء وأما من يتمثل في نفسه صورة صبي أو امرأة لا يحل له النظر إليها وكان ينزل ما يسمع على ما تمثل في نفسه فهذا حرام لأنه محرك للفكر في الأفعال المحظورة ومهيج للداعية إلى ما لا يباح الوصول إليه وأكثر العشاق والسفهاء من الشباب في وقت هيجان الشهوة لا ينفكون عن إضمار شيء من ذلك وذلك ممنوع في حقهم لما فيه من الداء الدفين لا لأمر يرجع إلى نفس السماع ولذلك سئل حكيم عن العشق فقال دخان يصعد إلى دماغ الإنسان يزيله الجماع ويهيجه السماع
مباح لأجل إظهار السرور به ووجه جوازه أن من الألحان ما يثير الفرح والسرور والطرب فكل ما جاز السرور به جاز إثاره السرور فيه ويدل على هذا من النقل إنشاد النساء على السطوح بالدف والألحان عند قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث إنشاد النساء عند قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث عائشة معضلا وليس فيه ذكر الدف والالحان طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع فهذا إظهار السرور لقدومه صلى الله عليه وسلم وهو سرور محمود فإظهاره بالشعر والنغمات والرقص والحركات أيضا محمود فقد نقل عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم حجلوا في سرور أصابهم حديث حجل جماعة من الصحابة في سرور أصابهم أخرجه أبو داود من حديث على وسيأتي في الباب الثاني كما سيأتي في أحكام الرقص وهو جائز في قدوم كل قادم يجوز الفرح به وفي كل سبب مباح من أسباب السرور ويدل على هذا ما روي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأمه حديث عائشة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد الحديث هو كما ذكره المصنف أيضا في الصحيحين لكن قوله إنه فيهما من رواية عقيل عن الزهري ليس كما ذكر بل هو عند البخاري كما ذكر وعند مسلم من رواية عمرو بن الحارث عنه فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو إشارة إلى طول مدة وقوفها وروى البخاري ومسلم أيضا في صحيحيهما حديث عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه فانتهرهما أبو بكر رضي الله عنه فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد وقالت عائشة رضى الله عنها رأيت صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمنا يا بني أرفدة حديث عائشة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بثوبه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمنا يا بني أرفدة تقدم قبله بحديث دون زجر عمر لهم إلى آخره فرواه مسلم من حديث أبي هريرة دون قوله أمنا يا بني أرفدة بل قال دعهم يا عمر زاد النسائي فإنما هم بنو أرفدة ولهما من حديث عائشة دونكم بني أرفدة وقد ذكره المصنف بعد هذا يعني من الأمن ومن حديث عمرو بن الحرث عن ابن شهاب نحوه وفيه تغنيان وتضربان حديث عمرو بن الحارث عن ابن شهاب نحوه وفيه يغنيان ويضربان رواه مسلم وهو عند البخاري من رواية الأوزاعي عن ابن شهاب وفي حديث أبي طاهر عن ابن وهب والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسترني بثوبه أو بردائه لكي أنظر إلى لعبهم ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا الذي أنصرف حديث أبي طاهر عن ابن وهب والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم الحديث رواه مسلم أيضا وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت كنت ألعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وكان يأتيني صواحب لي فكن يتقنعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر لمجيئهن إلى فيلعبن معي حديث عائشة كنت ألعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وهو في الصحيحين كماذكر المصنف لكن مختصر إلى قولها فيلعبن معى وأما الرواية المطولة التى ذكرها المصنف بقوله وفي رواية فليست من الصحيحين إنما رواها أبو داود بإسناد صحيح وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يوما ما هذا قالت بناتي قال فما هذا الذي أرى في وسطهن قالت فرس قال ما هذا الذي عليه قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أو ما سمعت أنه كان لسليمان بن داود عليه السلام خيل لها أجنحة قالت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه والحديث محمول عندنا على عادة الصبيان في اتخاذ الصورة من الخزف والرقاع من غير تكميل صورته بدليل ما روى في بعض الروايات أن الفرس كان له جناحان من رقاع وقالت عائشة رضي الله عنها دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه فدخل أبو بكر رضي الله عنه فانتهرني وقال مزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا حديث عائشة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث الحديث هو في الصحيحين كما ذكر المصنف والرواية التي عزاها لمسلم انفرد بها مسلم كما ذكر وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق والحراب فإما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإما قال تشتهين تنظرين فقلت نعم فأقامني وراءه وخدي على خده ويقول دونكم يا بني أرفدة حتى إذا مللت قال حسبك قلت نعم قال فاذهبي وفي صحيح مسلم فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا الذي انصرفت فهذه الأحاديث كلها في الصحيحين وهو نص صريح في أن الغناء واللعب ليس بحرام وفيها دلالة على أنواع من الرخص الأول اللعب ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب والثاني فعل ذلك في المسجد والثالث قوله صلى الله عليه وسلم دونكم يا بني أرفدة وهذا أمر باللعب والتماس له فكيف يقدر كونه حراما والرابع منعه لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما عن الإنكار والتغيير وتعليله بأنه يوم عيد أي هو وقت سرور وهذا من أسباب السرور والخامس وقوفه طويلا في مشاهدة ذلك وسماعه لموافقة عائشة رضي الله عنها وفيه دليل على أن حسن الخلق في تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب أحسن من خشونة الزهد والتقشف في الامتناع والمنع منه والسادس قوله صلى الله عليه وسلم ابتداء لعائشة أتشتهين أن تنظري ولم يكن ذلك عن اضطرار إلى مساعدة الأهل خوفا من غضب أو وحشة فإن الإلتماس إذا سبق ربما كان الرد سبب وحشة وهو محذور فيقدم محذور على محذور فأما ابتداء السؤال فلا حاجة فيه والسابع الرخصة في الغناء والضرب بالدف من الجاريتين مع أنه شبه ذلك بمزمار الشيطان وفيه بيان أن المزمار المحرم غير ذلك والثامن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرع سمعه صوت الجاريتين وهو مضطجع ولو كان يضرب بالأوتار في موضع لما جوز الجلوس ثم لقرع صوت الأوتار سمعه فيدل هذا على أن صوت النساء غير محرم تحريم صوت المزامير بل إنما يحرم عند خوف الفتنة فهذه المقاييس والنصوص تدل على إباحة الغناء والرقص والضرب بالدف واللعب بالدرق والحراب والنظر إلى رقص الحبشة والزنوج في أوقات السرور كلها قياسا على يوم العيد فإنه وقت سرور وفي معناه يوم العرس والوليمة والعقيقة والختان ويوم القدوم من السفر وسائر أسباب الفرح وهو كل ما يجوز به الفرح شرعا ويجوز الفرح بزيارة الإخوان ولقائهم واجتماعهم في موضع واحد على طعام أو كلام فهو أيضا مظنه السماع السادس سماع العشاق تحريكا للشوق وتهييجا للعشق وتسلية للنفس فإن كان في مشاهدة المعشوق فالغرض تأكيد اللذة وإن كان مع المفارقة فالغرض تهييج الشوق والشوق وإن كان ألما ففيه نوع لذة إذا انضاف إليه رجاء الوصال فإن الرجاء لذيذ واليأس مؤلم وقوة لذة الرجاء بحسب قوة الشوق والحب للشيء المرجو ففي هذا السماع تهييج العشق وتحريك الشوق وتحصيل لذة الرجاء المقدر في الوصال مع الإطناب في وصف حسن المحبوب وهذا حلال إن كان المشتاق إليه ممن يباح وصاله كمن يعشق زوجته أو سريته فيصغى إلى غنائها لتضاعف لذته في لقائها فيحظى بالمشاهدة البصر وبالسماع الأذن ويفهم لطائف معاني الوصال والفراق القلب فتترادف أسباب اللذة فهذه أنواع تمتع من جملة مباحات الدنيا ومتاعها وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وهذا منه وكذلك إن غضبت منه جارية أو حيل بينه وبينها بسبب من الأسباب فله أن يحرك بالسماع شوقه وأن يستثير به لذة رجاء الوصال فإن باعها أو طلقها حرم عليه ذلك بعده إذ لا يجوز تحريك الشوق حيث لا يجوز تحقيقه بالوصال واللقاء وأما من يتمثل في نفسه صورة صبي أو امرأة لا يحل له النظر إليها وكان ينزل ما يسمع على ما تمثل في نفسه فهذا حرام لأنه محرك للفكر في الأفعال المحظورة ومهيج للداعية إلى ما لا يباح الوصول إليه وأكثر العشاق والسفهاء من الشباب في وقت هيجان الشهوة لا ينفكون عن إضمار شيء من ذلك وذلك ممنوع في حقهم لما فيه من الداء الدفين لا لأمر يرجع إلى نفس السماع ولذلك سئل حكيم عن العشق فقال دخان يصعد إلى دماغ الإنسان يزيله الجماع ويهيجه السماع

تعليقات
إرسال تعليق